إعلان الرئيسية

(الزائر المُنتَظَرّ)


عندما خذلني جسدي وتهاوت صحتي وانخفضت مؤشرات الحياة لدي في أزمةٍ صحية لم أمر بها من قبل، لم يساعدني سوى خالقي، الذي دائماً ما يُساعدني في أشد وأحلك الأزمات، كما تعودت في مصائبي وشدائدي أياً كان نوعها، وبعض الأحباء الذين تيقنت في تلك الأزمة من محبتهم، وأهميتي عندهم، التي برزت من اطمئنانهم عليا باستمرار طوال أزمتي الصحية.

وفي تلك المرة الأخيرة التي سقطت قوتي من جسدي وتحولت رؤيتي لهذه الحياة إلى رؤية مختلفة، عكست حقيقة الحياة التي إن طالت لن تدوم، علمتني تلك التجربة القاسية وليست قسوتها في شدة المرض، وذاك الألم المُبرح الذي تملك جسدي، ولكن تلك القسوة التي شعرت بها من الحياة، وحرماني من وجود أحداً بجانبي ارتمي في أحضانه لكي أشعر بشيءً من الدفء تلين منه أعصاب جسدي البارد، الذي تملكته القشعريرة والبرودة، وجدت حاجاتي إلى من يرعاني ليس صحياً بل مشاعرياً، فالفراغ العاطفي أسوء الفراغات التي لا يملئها شيء، فيزداد الجسد ألماً على ألم وتظهر المشاعر في أكثر صورها حاجةً إلى من يشاركها لتشعر بالدفء، وتظهر بتجلي حاجتي إلى قلباً يحتضن قلبي، وحضناً يملئه الدفيء يلملم أجزائي الباردة من مشاعر محطمة، وجسدًا ابتُلي بالسقم فثقلت خطواته فثقل عليا حمله.

كانت تجربة لا أقول انها زادتني خبرة في الحياة، بل زادتني خبرة في انتظار الزائر الذي لا يرغبه أحد، ولا يود أن يراهُ يوماً، الزائر الذي يأتي فتفارق كل من تعرفه وتترك تلك الدنيا فتنتقل إلى العالم الآخر.

تخيلت ان ذاك الزائر كان بجواري، كان قريباً مني لدرجة انني شعرت بأن النهاية قريبة، وشيكة، تخيلت حضوره الذي يدبُ في النفس الرعب الذي لا مثيل له، أما أنا فترعبني الحياة ومفاجآتها أكثر من الموت، من تلك اليد التي ستأخذ روحي مني في وقتاً ما، لا أعرفه، فيداً تجتث روحي أفضل من آلاف الأيادي التي تطعن، وآلاف القلوب التي تخون، وآلاف الوجوه ذات الملامح الخادعة، الكاذبة، التي يرتسم عليها الصدق الكاذب، وآلاف الضمائر الفاسدة، وآلاف الألسنة التي لا تعرف للصدق طريق، فلا تنطق إلا بالكذب.

موتاً أفضل من حياة يملئها الفساد والنفاق واللاآدمية واللاإنسانية، أرضاً تحولت إلى جحيم بأيدي بشراً ألعن من الشياطين، فذهبت المحبة إلى غير رجعة، وذهبت الرحمة بدون عودة، وذهب كل ما يحمل معنى الإنسانية إلى الزوال، فلم يعد هناك وجود لأي وجود.

فمن أي موتاً أخاف وأنا أعيش حياةً لا معنى لها، أحتاج فيها من يشعر بهذا القلب الذي مزقته الآلام، وأرهقته الأحزان والأوجاع، فقد أيقنت أنا الحياة بدون حب وقلباً يُشاركني إياها لا معنى لها ولا سعادة بها تُثمر.

فانتظرت زائري فلم يأتي، وجاءني أملاً جديد في الحياة عسى أن يكون صادقاً، عسى ان يطرح بعض السعادة حتى وصول الزائر المُنتَظَرّ، عسى أن تكون هناك حياة كما أتمنى، يشاركني فيها قلباً يحمل لي كل الحب أو حتى بعضاً منه فأنا راضً ببعض الحب والتشارك والتفاهم، فما أصعب أن أعيش في هذه الحياة وحدي بل شريك يشاركني إياها.

إبراهيم سعيد
Ibrahim Said
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق