إعلان الرئيسية

| في عالم آخر |


بدأتُ أتساءل، متى وُلدتُّ؟، وأين كان مولدي؟، وكيف كان محياي؟، هل أنا حياً أم ميت؟!، وإن مُتُّ متى مُتُّ وأين مُتُّ؟، وكيف كان مماتي؟!.

لما كل الألوان صارت لوناً واحداً لا يتغير أو يتبدل ؟!، ذاك اللون الباهت الذي لا أعرفه، فهو لونٌ مختلف كل الاختلاف عن باقي الألوان التي كنت أعرفها.

لوناً أسود من المعتاد، الذي اعتادت عليه عيني، وتعودتُ عليه في حياتي التي عشتها وكأنها قبواً مليء بظلماتٍ ساحقة، قاتمة، مليئةً بالبرودة التي يقشعر منها البدن، وترتجف مشاعري منها، وكأنها جبلاً من الجليد القاتل، أسود اللون لا بياض فيه، ولا نعومة لملمسه، فقط برودة تزداد بها دقات قلبي في محاولةً أشبه بالمستحيل، أن يبث في جسدي ومشاعري بعض الدفء، فتزداد دقات قلبي الذي تختفي فجأة، وأجدني ما زلت كما أنا، فأصرخ مستغيثاً بدون نبضات تُحيي قلبي الميت الذي فارق الحياة، والذي كنت أظنه ما زال به بعض الحياة، التي يمكنها أن تُحييني من جديد.

أين أنا؟ ولما لا أرى نفسي، لما لا أستطيعُ لمسي، كأنني أصبحت شفافاً تمتد يدي من خلالي ويمر من خلال جسدي كل الأشياء.

كيف أمضي وأشعر بوجودي وأنا غير مرئي، لا أراني ولا يراني غيري، ولما تكتلت كل تلك المشاعر وأصبحت بوزن جبل، يَشِلُ حركتي يُثقلني ويُحمَّلني عشرات الأضعاف لوزن مشاعري المعتاد.

الرؤية كضبابٍ أسود اللون، بحراً من الظلمات، قدماي ثابتة لا تستجيب لأوامر عقلي الذي يأمرها أن تحملني وتحركني من مكاني، رافضة كل تلك الأوامر، وكأنها انعزلت تماماً عن تحكمي، كلما حاولت أن أمد يدي لأمسك بها وأحركها لأعرف لما لا تتحرك، تمر يدي من خلالها وكأنها دخان غير مادي، غير ملموس.

يمر الوقت طويلاً أكثر ألف مرة من المعتاد، يداي تبدأ في الارتعاش، أفقد كل جسدي جزءاً جزء، حتى يخبو طيفي، فأُصبحُ بلا وجه، بلا يدان، بلا قدمان.

ولكني ما زلت أشعر بي بطريقة مختلفة، أبحث حولي لأجد أي شيء أي ملامح لي، أو لبعض الأشياء من حولي استدل بها على أي دليل أو نبض حياة ليس لي حتى، وإنما لأي كائن حي استدل به على مخرج من هذا الفراغ المدمر، وهذا الوضع العجيب، وتلك الحياة التي لا حياة فيها، ذاك الموت الحي الذي لا حياة فيه ولا موتاً كامل يُريحني من هذا الجانب الخفي من العالم الذي لا يعيش أحداً فيه سواي، أنا وحدي، ولست حتى كاملاً جسداً وروحاً ومشاعر، فأنا مُبعثر إلى أجزاء شبحية تختفي هي أيضاً مع مرور الوقت الثقيل، الذي يفترس روحي الهشة ومشاعري المُجزَّئة إلى آلاف الأجزاء وكأنها لوح زجاج كُسِرّ فتبعثر إلى أجزاء صغيرة لا يمكن جمعها مرة أخرى.

أصرخ وأصرخ وأصرخ، ولا يخرج مني أي صوت، وكأن فمي مُغلق بخيطٍ رفيع، حاد، يمسك بشفاهي بقوة وقسوة، فلا يستطيع لساني الخروج للبوح بصراخي وألمي الذي أعيشه.

تشتعل داخلي تلك النيران التي لا تُرى ولا يُطفئها أي شيء، نيراناً تحرِقُني من الداخل، تمتص سكينتي وهدوئي، فلا يصبح داخلي سوى الفراغ اللانهائي، والصراخ الغير مُجدي، والضربات مجهولة المصدر، فلا أرى شيء ولكني أشعر بهذا الألم القاسي الذي يمسك بكل شيئاً داخلي كقطع الزجاج الحادة التي تخترق كل ما في، أشعر بوجود هذا الشبح المخيف الذي لا أراه ولكنني أشعر باقترابه مني، فيرتعش كل ما في، يقتُلني ببطيء، أشعر به فتنقطع أنفاسي فأموت وأحيا لأموت مرة أخرى وأحيا... حياة كالموت وموت لا وصف له ولا نهاية،

فهل أنا ميتٌ حي أم حياٌ ميت، أم أنا في بُعداً أخر وعالم غير ما يعرفه الجميع....

إبراهيم سعيد
Ibrahim Said


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق